صديق الحسيني القنوجي البخاري
72
فتح البيان في مقاصد القرآن
وهزأ يهزأ مات فجأة وتهزأ به ناقته أي تسرع به وتخف ، والمراد درؤهم للإسلام ودفعهم للحق . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 15 إلى 18 ] اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي ينزل بهم الهوان والحقارة وينتقم منهم ويستخف بهم انتصافا منهم لعباده المؤمنين ، وجزاء لاستهزائهم بهم ، فسمى الجزاء باسمه ، لأنه في مقابلته ، وورد ذلك في القرآن كثيرا ومنه جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] والجزاء لا يكون سيئة ، والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق ، ومنه وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً [ الطارق : 15 ، 16 ] و تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] وهو في السنة كثير كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه لا يمل حتى تملوا » « 1 » ، وإنما قال : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لأنه يفيد التجدد وقتا بعد وقت وهو أشد عليهم وأنكى لقلوبهم ، وأوجع لهم من الاستهزاء الدائم الثابت المستفاد من الجملة الاسمية لأنه يألفه ويوطن نفسه عليه ، قال ابن عباس يفتح لهم باب الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم وردوا إلى النار . وَيَمُدُّهُمْ أي يتركهم ويمهلهم ويطيل لهم المدة كما قال : إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [ آل عمران : 178 ] والمد الزيادة قال يونس بن حبيب يقال أمد في الشر وأمد في الخير ، ومنه وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [ الإسراء : 6 ] وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ [ الطور : 22 ] وقال الأخفش مددت له إذا تركته وأمددته إذا أعطيته فِي طُغْيانِهِمْ أي في ضلالهم وأصل الطغيان مجاوزة الحد ومنه إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [ الحاقة : 11 ] والغلو في الكفر يَعْمَهُونَ أي يترددون في الضلالة متحيرين ، والعمة والعامة الحائر المتردد ، والعمة في القلب كالعمى في العين ، قال في الكشاف : العمة مثل العمى إلا أن العمى في البصر والرأي ، والعمة في الرأي خاصة انتهى ، فبينهما عموم وخصوص مطلقا .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 32 ، والتهجد باب 18 ، والصوم باب 52 ، واللباس باب 43 ، ومسلم في المسافرين حديث 215 ، 221 ، والصيام حديث 177 ، وأبو داود في التطوع باب 27 ، والنسائي في القبلة باب 13 ، وقيام الليل باب 17 ، والإيمان باب 29 ، وابن ماجة في الزهد باب 28 ، ومالك في صلاة الليل حديث 4 ، وأحمد في المسند 6 / 40 ، 51 ، 61 ، 84 ، 122 ، 189 ، 199 ، 212 ، 231 ، 233 ، 241 ، 244 ، 250 ، 268 .